محمد أبو زهرة

3901

زهرة التفاسير

متماثلة لما ارتكبوا ، ويصح أن تكون مشتقة من مثال بمعنى قصاص ؛ للتماثل بين الجريمة والعقوبة ، وذلك أعدل وأردع . وإنه سبحانه وتعالى مع عدله في أن تكون العقوبة على قدر الجريمة ، وملاحظة التماثل بينهما من غير أي بخس لعمل ولا مجاوزة للعقاب يعفو عن كثير ؛ ولذا قال تعالى بعد أن قرر أن المثلات قد مضت ، أنه عندما يشتد سيل الشر ويتفاقم أمره ينزل العقاب ؛ دفعا للشر ووقفا له حتى لا يعم الفساد ، ويضل العباد ، قال تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ أي إن ربك لذو مغفرة ، تلازمه المغفرة كما يلازم الصاحب صاحبه حال كونهم ظالمين لأنفسهم بالشر الذي ارتكبوه ، ولكنه يقبل التوبة فالتوبة سبيل الغفران ، كما قال تعالى : غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ . . . ( 3 ) [ غافر ] . فالظلم بمعنى ظلم النفس بارتكاب المعاصي وليست بمعنى الشرك ، فإنه ظلم كما قال تعالى عن لقمان : . . . إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) [ لقمان ] ، ولكنه هنا بما دون ذلك ؛ لأن اللّه تعالى لا يغفر الشرك ، كما قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ . . . ( 48 ) [ النساء ] ، وكما أن اللّه سبحانه وتعالى صاحب المغفرة التي هي ستر الذنب ، ولا يحاسب عليه إذا كانت دون الشرك ، فهو أيضا شديد العقاب على المصرّين على المعاصي الذين أحاطت بهم خطيئاتهم واستغرقت نفوسهم ، ولذا قال تعالى : وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ ، أي إن عقابه شديد لمن أصر على المعصية وتدرنت بها نفسه وأظلمت . وقد أكد سبحانه وتعالى عقابه بالجملة الاسمية ، وب ( إنّ ) التي للتوكيد ، وباللام . ويلاحظ أنه سبحانه وتعالى عبر بالرب في صحبة المغفرة ، وشدة العقاب ، وفي ذلك إشارة إلى أنه من مقتضيات الربوبية ، فهو يهذب عبيده بالإنذار بشدة العقاب ، وفتح باب التوبة من غير أن يقنط العصاة من رحمته ، كما قال تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً . . . ( 53 ) [ الزمر ] .